عبد الملك الجويني

323

الشامل في أصول الدين

ومن الأحاديث التي يسأل عنها ما روي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إن اللّه خلق آدم على صورته » « 1 » . وهذا الحديث لا يبلغ مبلغ حديث النزول في الصحة ، ولم يدوّن في المشاهير من الصحاح ، ثم تأويله قريب المأخذ . فمن الوجوه فيه ما روي أنه عليه السلام رأى رجلا يلطم وجه عبده ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه خلق آدم على صورته » . أي على صورة الملطوم . وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يكره لطم الوجه . ووردت منه فيه أحاديث ، هذا من جملتها . فهذا وجه . ويجوز أن يقال : الهاء في قوله في صورته ، منصرفة على آدم ، ومعناه أن اللّه خلق آدم على ما هو عليه من هيئته وصورته ، ولم يتقدم على تركيبه أطوار ، واختلاف خلق في أحوال . وأوضح صلّى اللّه عليه وسلّم أنه لم يخلق من أب وأم ، ولم يشتمل عليه صلب ، ولم يحتو عليه رحم . ومن وجوه التأويل أنه أهبط من الجنة وملكوت السماء طائفة ، وبدلوا عن صورهم وهيئاتهم ، إلا آدم عليه السلام ، فإنه أهبط إلى الأرض على صورته . فأراد - صلّى اللّه عليه وسلّم - أن يبين اختصاص آدم بهذه الكرامة ، وأنه رؤي في الأرض على ما خلقه اللّه عليه . وهذا قريب أيضا . فإن رووا في بعض المناكير أن اللّه خلق آدم على صورة الرحمن ، فهذا لم يصححه أحد من أهل الصنعة ، بل قطعوا بضعفه . وليس يتحتم علينا أن نتأول كل حديث مختلق ، كيف وقد بينا أن ما يصح في الصحاح من الآحاد لا يلزم تأويله ، إلا أن نخوض فيه مسامحين ، فإنه إنما يجب تأويل ما لو كان نصا ، لأوجب العلم . ثم نقول : لو ثبتت هذه الرواية - وعلى نقلتها العمدة - فليس يضيق فيها مسلك التأويل . وللقائل أن يقول : وجه إضافة الصورة إلى اللّه التشريف والتخصيص بالذكر ، وقد قدمنا أن الإضافة منقسمة : فمنها إضافة الملك ، ومنها إضافة التشريف . والذي نحن فيه - إن صح منها ، وكان في معلوم اللّه ، ومكنون غيبه - صورة معظمة عنده وبنية مكرمة لديه ، وعن ذلك أنبأ قوله : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [ التين : 4 ] . وعليه حمل بعض المفسرين قوله تعالى : وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ [ الإسراء : 70 ] وهذا نحو إضافة الروح إلى اللّه عزّ وجلّ في قوله : فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا [ الأنبياء : 91 ] وقد اتفق أهل القبلة على أن وجه الإضافة في قوله « مِنْ رُوحِنا » ما ذكرناه . ويتجه وجه آخر في التأويل ذكره بعض الأئمة ، وذلك أنه قال : الصورة تطلق والمراد بها الصفة . ومنه قول القائل إذا استبصر واستوصف : اذكر لي صورة الحال ، والمراد صفتها . وظهور ذلك يغني عن الاستشهاد فيه . فمعنى الحديث إذا أن اللّه تعالى خصصه آدم

--> ( 1 ) أخرجه أحمد بن حنبل 2 - 244 ، 251 ، 315 ، 323 ، 434 ، 463 ، 519 ، والبخاري ( استئذان ، 1 ) ومسلم ( برّ ، 115 ) ، ( جنة ، 28 ) .